ابن تيمية

18

مجموعة الرسائل والمسائل

والثاني الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارج والقلب كالواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات ، فإن الأمر والنهي قد يكون بالعلم والاعتقاد ، فهو من جهة كونه علماً واعتقاداً أو خبراً صادقاً أو كاذباً يدخل في القسم الأول ، ومن جهة كونه مأموراً به أو منهياً عنه يدخل في القسم الثاني ، مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فهذه الشهادة من جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول ، ومن جهة أنها فرض واجب وأن صاحبها بها يصير مؤمناً يستحق الثواب ، وبعدمها يصير كافراً يحل دمه وماله ، فهي من القسم الثاني . وقد يتفق المسلمون على بعض الطرق الموصلة إلى القسمين كاتفاقهم على أن القرآن دليل فيهما في الجملة ، وقد يتنازعون في بعض الطرق كتنازعهم في أن الأحكام العملية من الحسن والقبيح والوجوب والحظر هل تعلم بالعقل كما تعلم بالسمع أم لا تعلم إلا بالسمع ؟ وأن السمع هل هو منشأ الأحكام أو مظهر لها كما هو مظهر للحقائق الثابتة بنفسها ؟ وكذلك الاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع على المسائل الكبار في القسم الأول ، مثل مسائل الصفات والقدر وغيرهما مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف ، وأبى ذلك كثير من أهل البدع المتكلمين بما عندهم على أن السمع لا يثبت إلا بعد تلك المسائل فإثباتها بالسمع ( 1 ) حتى يزعم كثيرة من القدرية والمعتزلة أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن على حكمة الله وعدله وأنه خالق كل شيء وقادر على كل شيء ، وتزعم الجهمية من هؤلاء ومن اتبعهم من بعض الأشعرية وغيرهم أنه لا يصح الاستدلال بذلك على علم الله وقدرته وعبادته ، وأنه مستو على العرش . وبزعم قوم من غالية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على المسائل القطعية مطلقاً بناء على أن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما زعموا .

--> ( 1 ) بياض في الأصل لعل الساقط : متوقف على اثبات السمع بها